ملا محمد مهدي النراقي

17

جامع السعادات

من مالت القلوب إلى قبوله ، وزاد أثر كلامه في القبول على كلامه ، شق ذلك عليه ، إذ لولا أن النفس قد استبشرت واستلذت بالرئاسة لكان يغتنم ذلك . وعلى هذا فينبغي ألا يشتغل أحد بالنصح والوعظ إلا إذا وجد من نفسه أنه ليس له قصد سوى هدايتهم إلى الله - تعالى - ، وكان يسره غاية السرور ظهور من يعينه على إرشادهم أو اهتدائهم من عند أنفسهم ، وانقطع طمعه بالكلية عن ثنائهم وأموالهم ، واستوى عنده حمدهم وذمهم ، ولم يبالي بذمهم إذا كان الله يمدحه ، ولم يفرح بمدحهم إذا لم يقترن به مدح الله ، ونظر إليهم كما ينظر إلى من هو أعلم منه وأورع ، حيث لا ينكر عليه ويراه خيرا من نفسه ، لدلالة الظاهر على ذلك وجهله بالخاتمة وإلى البهائم من حيث انقطاع طمعه عن طلب المنزلة في قلوبهم ، فإنه لا يبالي كيف يراه البهائم ، فلا يتزين لها ، إذ راعي الماشية إنما غرضه رعايتها ودفع الذئب عنها ، دون نظر الماشية إليه بعين المدح والثناء . ثم لو ترقى الواعظ ، وعلم بهذه المكيدة من الشيطان ، واشتغل بنفسه وترك النصح ، أو نصح مع رعاية شرط الصدق والاخلاص ، لخيف عليه الاعجاب بنفسه في فراره عن الغرور ، فيكون إعجابه بنفسه في الفرار عن الغرور غاية الغرور ، وهو المهلك الأعظم من كل ذنب ، ولذلك قال الشيطان : ( يا ابن آدم ! إذا ظننت أنك بعملك تخلصت مني فبجهلك قد وقعت في حبائلي ) . ثم لو دفع عن نفسه العجب ، وعلم أن ذلك من الله تعالى لا منه ، وأن مثله لا يقوى على دفع الشيطان عنه إلا بتوفيق الله ، وأنه ضعيف عاجز لا يقدر على شئ أصلا ، فضلا عن دفع الشيطان ، لخيف عليه الغرور بفضل الله والثقة بكرمه والأمن من مكره ، حتى يظن أنه يبقى على هذه الوتيرة في المستقبل . ولا ريب أن الآمن من مكر الله خاسر مغرور ، فسبيل النجاة بعد تهذيب النفس وخلوص القصد والانقطاع عن الدنيا ولذاتها ، أن يرى ذلك كله من فضل الله ، وكان خائفا على نفسه من سلب حاله في كل لحظة ، وغير آمن من مكر الله ، وغير غافل عن خطر الخاتمة . وهذا خطر لا محيص عنه وخوف لا نجاة منه ، إلا بمجاوزة الصراط والدخول في الجنة ، ولذلك